القاضي عبد الجبار الهمذاني

123

تثبيت دلائل النبوة

وتأمل إلى إقدامه / على أمتين عظيمتين من أهل التحصيل والعقل ، قد أجمعوا على امر وسبقوه في الزمان ، وهو أشد الناس حرصا على تألفهم وإجابتهم واستمالتهم ، فأكذبهم وردهم ، ولو كان متقوّلا لتهيّب ولم يقدم على ذلك خوفا من أن يكون الامر كما قالوا وكما ادّعوا فيبين كذبه ويرجع عنه من قد تبعه ، لأن الأنبياء يجوز ان يقتلوا ويصلبوا ، بل قد قتل قوم منهم . وأيضا ، فليس في قتل المسيح طعن عليه ولا قدح في امره ، وما به حاجة إلى مخالفتهم في ذلك ، بل قد كان ينبغي ان يكون إلى تصديقهم في ذلك أحوج ، ليكون تشنيعه على النصارى أقوى ، لأنهم قد اعتقدوا فيه انه إله ورب وقد رأوه أسيرا مقهورا في يد عدوه ومصلوبا ومقتولا ، ويزيد شناعته على اليهود لأنهم قد قتلوا نبيا آخر مضافا إلى غيره من الأنبياء الذين قد قتلوهم قبل المسيح . فتجنب صلّى اللّه عليه وسلم هذا كله مع الحاجة إليه ، وقال : قد ادعوا أنهم قد علموا ذلك وليسوا به عالمين ولا متفقين ، وما معهم فيه الا الظن فقال : « وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ . وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ . وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ . وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً » « 1 » أي ليس ثمّ يقين ولا سكون نفس ، تقول العرب في الخبر المتيقن قتلته علما وقتلته يقينا . ثم قال : « بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ » أي صانه وعظمه ان تناله يد عدوه بالقتل والصلب ، لأن الظن قد يصدق تارة ، وقد تجتمع الجماعة الكبيرة فتصدق المخبر الواحد من طريق حسن الظن بخبره ، ويكون قد صدق فيما أخبر ، فيكونوا صادقين وإن لم يعلموا صدقه ، وان ظنوا ان اعتقادهم لذلك علم . فانظر إلى ذلك كيف بيّنه من كل وجه .

--> ( 1 ) النساء 157